"الدومينو" قفلت.. مجلة أمريكية عن مستقبل تركيا: حرب أهلية وإطاحة إردوغان

21/06/2019
رجب إردوغان الرئيس التركي "ناشيونال إنترست" الأمريكية
"الدومينو" قفلت.. مجلة أمريكية عن مستقبل تركيا: حرب أهلية وإطاحة إردوغان

مانشيت الأخبارى

كتب:أحمد عصام

"كيف سيكون الحال إذا نجح الأتراك في الإطاحة بي خارج دائرة السلطة؟"، تشكل كلمات هذه الجملة سؤالًا ربما لم يخطر على بال الرئيس التركي، رجب إردوغان، بعد أكثر من 16 عامًا من الحكم. فديكتاتور أنقرة يعتقد نفسه مخلدًا في الحكم، ويرى أن الإجراءات القمعية التي يتبعها في إدارة البلاد، وتحكمه في جميع مفاصل الدولة، سيحول دون خروج تظاهرات ضده، أو تمكن المعارضة من إزاحته عبر صناديق الانتخابات.

مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية (نصف شهرية وتصدر منذ العام 1985) طرحت عدة سيناريوهات لتوضيح كيفية الإطاحة بإردوغان وحزبه العدالة والتنمية، الذي بات يترنح ويفقد صوابه بشكل كامل، وهو ما تجسد في إلغاء نتيجة الانتخابات البلدية التي أجريت في مدينة إسطنبول 31 مارس الماضي، بعد أن فاز بها حزب الشعب الجمهوري المعارض، لتقرر لجنة الانتخابات إجراء اقتراع إعادة في 23 يونيو الجاري.

خسارة مربكة
تصرف حزب إردوغان إزاء نتيجة الانتخابات البلدية يفقده أرضية سياسية؛ فالحزب لم يفقد فقط سيطرته على العاصمة أنقرة ولا أكبر مدن البلاد (إسطنبول) ثم إزمير وأضنة وأنطاليا، وإنما تلقى صفعة مدوية بذهاب الأصوات لصالح منافس قوي، هو حزب الشعب الجمهوري.

وللمرة الأولى منذ 25 عامًا يفقد إردوغان سيطرته على الانتخابات البلدية في إسطنبول، لكن هذه الخسارة الفادحة كانت لها أسباب من وجهة نظر المجلة الأمريكية منها، الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ 9 سنوات، والتي شكلت ضغوطا اقتصادية واجتماعية هائلة على تركيا، فضلًا عن قيام واشنطن بتوجيه ضربة إلى الاقتصاد التركي بفرض عقوبات وتعريفة خاصة على الصلب والألومنيوم التركي.

أزمة الاقتصاد واللاجئين
في أغسطس 2018 بدأت أزمة اقتصادية خانقة في تركيا، انخفضت الليرة بشكل قياسي مقابل الدولار، كما ارتفع التضخم، ولم يتمكن إردوغان من التغلب على الأزمة.

إضافة إلى ذلك، شكل استقبال تركيا لنحو 3.5 مليون لاجئ سوري في جميع أنحاء البلاد إلى أزمة بالنسبة للأتراك، الذين انخدعوا وصدقوا تصريحات إردوغان الزائفة والتي زعم فيها أنه يتحمل مسؤولية الإنفاق على هؤلاء اللاجئين، في حين الحقيقة أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي يتكفلون بصرف الإعانات المقدمة للاجئين بناء على اتفاق مع الحكومة التركية، التي تخصص الأموال المقدمة لها لأغراض أخرى.

قبل الانتخابات البلدية الأخيرة، تفطن أغلب المعارضة إلى ضرورة التصدي لإردوغان بشكل جماعي، فأنشأت المعارضة، في خطوة غير مسبوقة، تحالفًا هائلا بات قادرًا على تحدي حزب العدالة والتنمية.

حزب المعارضة الرئيسي في البلاد، حزب الشعب الجمهوري، وحزب الخير شكلا تحالف الأمة من أجل ضمان الفوز بأكبر مقاعد في الانتخابات البلدية، ونال هذا التحالف دعمًا بشكل غير رسمي من قبل حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) وحزب السعادة (SAADET)، وهو ما أدى إلى فوز مرشحي التحالف في كل من أنقرة وإسطنبول؛ في المقابل تلقى تحالف إردوغان مع حزب الحركة القومية (MHP) خسارة في كبرى المدن، وحقق نتائج مخيبة للآمال في تلك المدن.

المعارضة قادمة
مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية أجابت عن سؤال: "لماذا تعد الانتخابات المعادة في اسطنبول حيوية لمستقبل تركيا"؟، وقالت إن إردوغان بعد أن أصبح أول رئيس لتركيا في ظل النظام الرئاسي الجديد - بعد انتخابات يونيو 2018 - واجه عقبة لم تكن في الحسبان، إذ أظهرت الانتخابات البلدية الأخيرة أن المعارضة، إذا كانت موحدة، قادرة على بناء جبهة حاسمة ضده.

إذا فاز مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو في إعادة الانتخابات في إسطنبول بهامش واحد أو 2%، فسوف يمنح هذا الفوز الكتلة المعارضة لإردوغان مزايا معنوية هائلة، لقدرتها على تحقيق أصعب المكاسب، ما يبشر بأوقات عصيبة أمام ديكتاتور أنقرة، بحسب المجلة. 

ما بعد 23 يونيو 
هناك سيناريوهان محتملان لما بعد انتخابات 23 يونيو، ولا يبدو أي منهما مشرقًا بالنسبة لإردوغان، فالسيناريو الأول، إذ فاز مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدرم، قد تبدأ الكتلة المناهضة لإردوغان في انتفاضة طويلة الأمد على غرار ما حدث في فنزويلا مؤخرًا، في شكل مظاهرات في الشوارع. 

شهدت تركيا هذا النوع من المحاولات للإطاحة بالحكومة من خلال احتجاجات منتزة جيزي في عام 2013، حيث أسفرت مظاهرات عنيفة استمرت لمدة شهرين ونصف الشهر على مستوى البلاد عن مقتل 22 شخصًا واعتقال الآلاف.

يمكن للمعارضة محاولة تنفيذ تمرد عنيف، لكن مع سيطرة إردوغان الكاملة على الشرطة والجيش والمخابرات بعد عمليات التطهير في أعقاب مسرحية الانقلاب التي روج لها النظام في 15 يوليو 2016، فإنه من المحتمل أن يتم إخماد هذه المحاولات بشكل سريع، وربما منعها من الظهور.

اضطرابات اجتماعية
وبالرغم من إحكام إردوغان سيطرته على مفاصل المؤسسات الحيوية في البلاد، فإن المجتمع التركي منقسم كما لم يحدث من قبل، ولذلك فإن فوز حزب العدالة والتنمية في اسطنبول قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية لن تقدر الدولة على مواجهتها.

في كرة القدم مثلًا هناك جماهير رافضة لإردوغان، خاصةً مشجعو فريقا بيشكتاش وفنربخشة، وهو ما قد يساعد على جمع حشد شعبي كبير ضد الديكتاتور التركي، فجماهير بيشكتاش كانت واحدة من القوى الدافعة وراء احتجاجات منتزه جيزي ضد النظام الحاكم في العام 2013.

مرشح حزب الشعب الجمهوري وقائد المعارضة الفعلي في تركيا حاليًا أكرم إمام اوغلو يدرك هذه النقطة، وهو ما بدا من حضوره مباراة كرة القدم لفريق بيشكتاش بعد عشرة أيام من الانتخابات التي أجريت نهاية مارس الماضي، قبل أن يحصل على بطاقة رسمية من لجنة الانتخابات تؤكد فوزه برئاسة بلدية إسطنبول، لكنها ألغيت لاحقًا. وخلال المباراة، هتف مشجعو بشكتاش لدعم أوغلو.

احتمالية الانتخابات المبكرة
السيناريو الثاني سيكون له تأثير طويل المدى، فإذا فاز مرشح حزب الشعب الجمهوري، فإن المعارضة سيكون لها الحق في التشكيك في شرعية إردوغان وحزب العدالة والتنمية، وهو ما أدركه النظام الحاكم حين خرجت تصريحات له على لسان إبراهيم قالين، المتحدث الرسمي باسم الرئيس التركي، قال فيها "لن تكون هناك انتخابات حتى عام 2023"، وهو العام الذي تنتهي فيه ولاية إردوغان الحالية، ما يعني أن النظام لا يشعر بالثقة الكافية، وإن كان كذلك فيمكنه الدعوة لإجراء انتخابات عامة مبكرة حال خسر في إسطنبول في الإعادة، بحسب تأكيد المجلة الأمريكية. 

المجلة الأمريكية تطرح سيناريو آخر خاص بالانتخابات الرئاسية المقبلة في تركيا- 2023،  وتذهب إلى أن "ولاية إردوغان الثانية تعتمد إلى حد كبير على كيفية تطور الاقتصاد التركي حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة"، مضيفة: "ستمهد الخسارة المحتملة لإردوغان في الانتخابات الرئاسية الطريق لتحول نموذجي هائل في السياسة التركية حيث سيحل الائتلاف المناهض للرئيس محل حزب العدالة والتنمية الذي يحكم منذ عام 2002".

من المحتمل أن يكون قدوم رئيس لتركيا بديلًا لإردوغان عملية مؤلمة للدولة، حيث سيكون على الرئيس الجديد- القادم على الأرجح من خارج الحزب الحاكم- على وشك كشف بنية السلطة التي مهدها إردوغان داخل الجيش والشرطة والقضاء والكوادر الأخرى في الدولة، إذ جرت عمليات تنقية واسعة في هذه المؤسسات من جميع المعارضين بإقالتهم أو اعتقالهم. 

ضحايا إردوغان ينتقمون
"ناشيونال إنترست" ترى أن رحيل إردوغان عن السلطة سيتبعه إجراءات انتقامية سيلجأ إليها كل من اضطهدهم ونكل بهم، خصوصًا من أعضاء حركة فتح الله غولن وحزب الشعوب الديمقراطي، الذي تم سجن بعض أعضائه بتهمة الإرهاب، وكذلك حزب الشعب الجمهوري، وذلك نتيجة الحقد الذي زرعه ديكتاتور تركيا طوال حكم حزب العدالة والتنمية الذي استمر سبعة عشر عامًا وكذلك نتيجة عمليات التطهير التي طالت مئات الآلاف. 

وتتابع: "هذا النوع من الانتقال السياسي سيؤدي بلا شك إلى اندلاع أعمال عنف بين طبقات المجتمع المتعارضة، لأن إردوغان بسياساته المستبدة حاول تجسيد تركيا كلها في صورته هو فقط، دون اعتبار لأي شيء آخر".

المجلة الأمريكية تشير إلى عقبة أخرى قد تواجه المعارضة، وتتساءل: "كيف سيكون رد فعل الجنرالات المؤيدين لإردوغان وقادة الشرطة وضباط المخابرات على رئيس مناهض لإردوغان، الذي يرأس بحكم منصبه كل هذه العناصر المهمة في الدولة"، مضيفة: "إن السؤال الأكثر أهمية هو هل سيسمح إردوغان باستبدال منصبه في المقام الأول؟ إن العائق القوي للمعارضة عن الصعود إلى الرئاسة يمكن وصفه بالكارثة".

"بغض النظر عن نتائج انتخابات اسطنبول، هناك أوقات عصيبة للغاية أمام تركيا حاليًا ومستقبلا، فالاقتصاد المحلي لا يظهر أية علامة على الانتعاش، كما أن تورط أنقرة في الحرب الأهلية بسورية، لا يزال قائمًا، فضلًا عن استمرار حالة الاستقطاب في المجتمع"، بحسب ما ترى المجلة الأمريكية، مشددة على حاجة السياسيين والشخصيات البارزة في البلاد إلى "التوصل إلى نوع من التطابق قبل أن يحرق المجتمع نفسه من الداخل".

المجلة تلفت الانتباه إلى نقطة أخرى، بقولها: "إن الانهيار التام لتركيا سوف يبشر بأوقات عصيبة بالنسبة لأوروبا، التي تلقت هزة بالفعل سياسيًا، بسبب تدفق بضعة آلاف لاجئ من سورية، وبالنظر إلى سكان تركيا البالغ عددهم ثمانين مليون نسمة، فإن حالة الاضطراب الاجتماعي الكاملة ستؤدي إلى فيضان اللاجئين الذي لا تعد أوروبا مستعدة لاستقباله، فضلا عن تهديد مباشر لحلف الناتو الذي تحمل أنقرة عضويته".



أخبار متعلقة

الملفات