بعد استقالة باباجان.. سيناريوهات نقل إردوغان من القصر إلى السجن

11/07/2019
استقالة باباجان إردوغان نقل إردوغان من القصر إلى السجن
بعد استقالة باباجان.. سيناريوهات نقل إردوغان من القصر إلى السجن

مانشيت الأخبارى

استخفّ الرئيس رجب إردوغان برفاق الأمس.. أبعدهم.. ولم يسمح لهم بالمشاركة في القرار.. انفرد بشكل استبدادي برسم ملامح تركيا بحسب رغبته ورؤيته، واستهان بقدرتهم على المناورة والحضور والمنافسة، وصدّر أتباعه، كصهره بيرات آلبيراق الذي وضعه وزيراً للخزانة والمالية، على حساب شخصيات ذات باع طويل في الاقتصاد والسياسة، وذلك من منطلق الولاء لا الكفاءة.

يبدو أنه جاء وقت الحساب، واقتربت ساعة الحسم، وخرج من بين رفاق الأمس، من قرر عدم الاستمرار في الوقوف متفرجًا.. اختار علي باباجان وزير الاقتصاد التركي السابق ألا يكون تابعًا، وأن يترك المجال لطموحه السياسي، فسلك طريق الخروج من حزب العدالة والتنمية، كاشفًا عن تلال الفساد المتراكمة داخل الحزب الحاكم، ومبشرًا بنهاية حتمية لإردوغان.

بعد الانتخابات البرلمانية التي شهدتها تركيا في يونيو عام 2015 ورفض الحزب الحاكم ترشيح علي باباجان للانتخابات البرلمانية، معتبرًا أن لوائح الحزب تمنع ذلك، ما حرم الرجل من الاستمرار في منصبه نائبًا لرئيس الوزراء، ولم يكن ذلك تمسكا بالقواعد من الحزب الحاكم، بل إقرارا لمنطق "الأقوى يحكم".. فباباجان كان مغضوبًا عليه قبل ذلك.

إردوغان والحلقة المقربة استشاطت غضبًا من باباجان الذي لم  يرض بسياسات الحزب وانتقد علانيةً طريقة إدارة الحزب وإدارته بطرق غير ديمقراطية وذلك  منذ أغسطس 2014 أي قبل أشهر قليلة من إبعاده عن دائرة السلطة. 

باباجان رفض رغبة إردوغان التدخل في إدارة البنك المركزي، كما دافع عن محافظ البنك وقتها واستقلالية منصبه، رافضَا أسطوانة الرئيس التركي المكررة "يجب خفض أسعار الفائدة"، مؤكدا أن هذه الأمور تحددها إدارة البنك لا رئيس الجمهورية. 

عودة من بعيد
تحدي باباجان لإردوغان (رئيس الحزب الحاكم والدولة) كلفه منصبه الرسمي، فاختار الرجل البالغ 52 عامًا الانزواء لأشهر عديدة، حتى تحين اللحظة المناسبة للعودة وقدم استقالته من حزب العدالة والتنمية أمس الأول الاثنين ليكون الاسم الأكثر ترددًا بين الأتراك في الفترة الأخيرة، والأكثر حضورًا في الصحافة الدولية.

توقيت الاستقالة وطريقة تقديمها تقول إن باباجان شخصية تدرك جيدا ما تفعله، فالرجل الذي ساهم مع إردوغان وآخرين في تأسيس حزب العدالة والتنمية في عام 2001 أكد- بتصرفه- أنه يتحرك وفق خطة معدة مسبقًا، ولا يعمل بعشوائية. 

مثالية توقيت الاستقالة تكمن في أنها جاءت تزامنًا مع الأزمة الاقتصادية التي شحنت الأتراك ضد إدارة إردوغان، وكذلك عقب تأكد الخسارة الكبرى لإردوغان وحزبه في الانتخابات البلدية، فالحزب الحاكم لم يخسر رئاسة كبرى البلديات (أنقرة وإسطنبول وإزمير وأضنة وأنطاليا) فقط، لكنه فقد ثقة الشارع، وأظهرت الانتخابات أن شعبية الحزب باتت ضعيفة للغاية خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق الحضرية، ولولا الأصوات التي ذهبت إليه من المحافظين في القرى لتكبد هزيمة تقضي عليه تمامًا.

النسور والبجع 
استقالة باباجان، وبخلاف ما ترسمه من حالة تفاؤل لدى المعارضة تترك سحابة كآبة وتشاؤم داخل حزب إردوغان، فإنها تكشف عن الانقسامات العميقة داخل الحزب الذي يتحكم فيه مجموعة يطلق عليها "مجموعة البجع"، وهي التي توجه دفة اتخاذ القرار من دون الالتزام بالهيكل الإداري والتنظيمي، ما يؤكد أن الأيام المقبلة ستشهد استقالات أخرى لكبار قادة الحزب ممن يرون أنفسهم نسورًا مهمشين لصالح "البجع".

مجموعة "البجع" أو "بليكان" بالتركية تقودها الكاتبة المتشددة في صحيفة "صباح" هلال كابلان، وهي إحدى أذرع وزير المالية وصهر إردوغان بيرات آلبيراق، إذ إنه من فتح لها الباب لأن تبسط نفوذها داخل الحزب والصحيفة المملوكة لعائلته (آلبيراق). 

تقود هذه المجموعة حملات إلكترونية للهجوم على كل من ينتقد أداء إردوغان وبالتحديد إذا كان يحمل صفة "مسؤول سابق" في الحكومة أو الحزب، ويشن الذباب الإلكتروني المكلف من لدن المجموعة هجومًا عبر حسابات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي ضد كل المنتقدين، وضد الأكراد، ويدافع بشراسة عن سياسات الحكومة ويبرر أخطاءها. 

ويؤكد كتاب أتراك مقربون من الحزب الحاكم  أن المجموعة تتخذ  قصرا مطلا على مضيق البوسفور في إسطنبول مقرا لها، حيث يعمل من هناك فريق "الذباب الإلكتروني". 

من قيادات هذه المجموعة في إسطنبول،  القيادية إليف شاهين، والأستاذ الجامعي فيليز غوندوز، والكاتب بجريدة صباح "هلال كلبان". وقد ظهر إردوغان مع عناصر المجموعة خلال أبريل الماضي في موسكو،  إذ اصطحبهم معه في زيارته للعاصمة الروسية. 

ماذا بعد الاستقالة؟ 
لأن استقالة باباجان لم تكن عشوائية ومخططا لها، فمن المتوقع أن يعلن الوزير السابق عن تأسيس حزبه السياسي الجديد في القريب العاجل، على أن يعتمد بشكل أساسي على المنشقين من حزب العدالة والتنمية، وهي الطريقة ذاتها تقريبًا التي تأسس بها الحزب الحاكم نفسه. 

إردوغان وباباجان وعبد الله جول  أسسوا حزب العدالة والتنمية- مع آخرين- في أغسطس 2001 بعد الاستقالة من حزبه الفضيلة (الرفاة سابقًا) الذي كان يقوده معلمهم رجل الدين نجم الدين أربكان، غير أن هذه المجموعة ادعت أنها أكثر انفتاحًا وليبرالية، وقد أثبتت ذلك في السنوات الأولى من وصول الحزب إلى السلطة حتى كشف الحزب عن وجهه القبيح والاستبدادي بقيادة إردوغان الذي يريد العزف منفردًا.

وهكذا، يمكن فهم الإطار الفكري الذي سيعتمد عليه حزب باباجان الجديد والمتوقع أن يضم الرئيس السابق عبد الله جول، لن يختلف كثيرًا عن "العدالة والتنمية" إلا أنه سيكون أكثر انفتاحًا، لأن باباجان نفسه يُعد من أنصار الليبرالية الاقتصادية ويؤمن بالسوق الحر فعلا لا قولا فقط، وهو ما يجذب شريحة كبيرة من الأتراك يرونه منقذًا لبلدهم  من عثرتها الاقتصادية الراهنة، لكنه وفي حال حقق ذلك سيبقى حزبًا بلا قاعدة جماهيرية ثابتة.

في حال رأى الناخبون حزبًا جديدًا لديه حلول أكثر رحابة اقتصادية من حزب باباجان فلن يتأخروا في الانضمام إليه والتصويت لصالحه، غير أن ما يمكن أن يستفيد منه باباجان وحزبه والأتراك بشكل عام في الوقت الراهن هو الإطاحة أولًا بإردوغان، ومن ثم تأسيس حياة سياسية تستوعب الجميع. 

بقاء الرئيس التركي بقمعه الآخذ في التزايد وأخطاؤه المتواصلة وإصراره على أن لا أحدا غيره يمكنه تولي السلطة تعمق من الأزمة السياسية وتضع مستقبل البلاد على المحك، إذ إن إردوغان يسير تدريجيًا نحو إغلاق جميع مظاهر الحياة السياسية، وهو أمر جد خطير على شعب اعتاد على الديمقراطية - حتى وإن شابتها أخطاء- منذ تأسيس الجمهورية في عام 1923.

حتى العلمانيين والأكراد الذين قد يرون في الخلفية المحافظة للحزب الجديد وانبثاقه من دائرة إردوغان ذاتها التي اكتووا بها قد لا يمانعون في منحه فرصة، أو تأييد دخوله في تحالف مع المعارضة التقليدية للإطاحة بالديكتاتور القابع على أنفاس الأتراك رئيسًا للوزراء ثم رئيسًا للجمهورية منذ مارس 2003.

المعارضة التركية تعيش بدورها أجواءً مثالية للغاية، إذ تمكنت من  هزيمة إردوغان في كبرى البلديات بالانتخابات الأخيرة، وهي في وضع يسمح لها بتوجيه ضربة قاضية إلى الديكتاتور التركي. 

وبحسب ما يتردد في الشارع السياسي فإن هناك مطالبات بأن تتوحد المعارضة بشكل رسمي تحت قبة البرلمان من أجل الإطاحة بإردوغان، إذ يمكن أن يتحالف باباجان بحزبه الجديد مع حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي لتنفيذ ذلك.

كيف يتحقق الانتصار؟ 
يمكن للمعارضة أن تحدث انقلابًا في الأوضاع السياسية وتطيح بإردوغان في حالة جذب حزب باباجان 45 نائبًا برلمانيًا من نواب "العدالة والتنمية" أو أكثر، وفي هذه الحالة سيفقد "تحالف الشعب" الحاكم والمكون من حزبي إردوغان والحركة القومية أغلبيته البرلمانية. 

حزب العدالة والتنمية يملك 295 مقعدًا في البرلمان من إجمالي 600 مقعد، و حزب الحركة القومية له 49 مقعدًا بناء على الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو 2018، وتبلغ نسبة الحزبين مجتمعين من نواب البرلمان  53.6 % (344 عضوًا). 

وفي حال وصل عدد أعضاء البرلمان الرافضين لإردوغان إلى نحو 360 نائبًا فيمكنهم التقدم باقتراح لتعديل الدستور أو إجراء انتخابات مبكرة أو الاثنين معًا. 

تجرى الانتخابات المبكرة في تركيا بقرار من البرلمان بشرط موافقة 60% من الأعضاء (360 صوتًا)، على حين أن التعديلات الدستورية يتم تقديمها للبرلمان بموافقة ثلث الأعضاء (200 عضو)، وتتم مناقشة التعديلات الدستورية في الجمعية العمومية للبرلمان على مرتين.

في حالة موافقة البرلمان على التعديلات في المرة الثانية بأصوات 360 نائبًا على الأقل ترسل إلى رئيس الجمهورية (إردوغان) الذي يحق له إما عرضها للاستفتاء العام، أو رفضها، وفي هذه الحالة يعيدها إلى البرلمان ثانية، وللمجلس التشريعي أن يصوت عليها من جديد، وفي حال أقرها يكون الاستفتاء على هذه التعديلات واجبًا.



أخبار متعلقة

الملفات