قانون "الطابو".. العثمانلي يُشرعِن سرقة أراضي الفلاحين وبيعها لليهود

21/06/2019
الأوراق المتكدسة ملّاك للأراضي الفلاحين العرب قصة مأساوية خيالية
قانون "الطابو".. العثمانلي يُشرعِن سرقة أراضي الفلاحين وبيعها لليهود

مانشيت الأخبارى

كتب:أحمد عصام

موظفٌ في مكتبه، تحتشد الأوراق المتكدسة أمامه بأسماء أشخاص لا يعرفهم، ولا يتلق بهم يوما. لكن جرّة قلمٍ منه، تتسبب في إفقارهم بطرفة عين، وتحويلهم من ملّاك للأراضي، إلى لا شيء.

هذه ليست جزءًا من قصة مأساوية خيالية، بل واقعًا عاشه آلاف الفلاحين العرب، طوال عقود من السيطرة العثمانية على بلادهم، ناموا على خير، واستيقظوا على فقر وحرمان وسلبٍ كامل لأراضيهم، التي راحت دون ثمن إلى غيرهم.

لقرون، عاش العثمانلي على امتصاص دماء الفلاح العربي وسرقة كده وقوت أطفاله. وعندما فرضت أوروبا على السلطان قوانين التنظيمات عام 1856، وكان من بينها قانون للأرض الزراعية الذي مكن الأجانب من امتلاك الأراضي، استجاب، ليتمكن اليهود من شراء الأراضي في فلسطين بعد أن كانت محرمة عليهم، لتبدأ قصة زرع الكيان الصهيوني في الأرض العربية.

القوانين العثمانية الجديدة كانت وباءً على الفلاحين العرب، وزادتهم شقاء فوق ما يعيشونه. بموجبها صدر نظام "الطابو" أي تسجيل الأرض الذي كان ظاهره ضبط الأملاك وباطنه تمكين الموالين للعثمانيين في السلطنة من امتلاك الأراضي واستعباد الفلاحين، لتكوين طبقة إقطاعية موالية تعادي الحركات الاجتماعية والثقافية المطالبة برحيل المحتل العثمانلي.

قرى كاملة تم نزع ملكية أراضيها من أصحابها دون معرفتهم، ونقلها لأفراد قلائل لمجرد أنهم ضباط عثمانيون أو منحدرون من الإنكشارية أو من المؤسسة الدينية. فقد الفلاحون أراضيهم، وتحولوا إلى مستأجرين عند الطبقة الإقطاعية العثمانية.

شرعنة السرقة
بعد إقرار التنظيمات الخيرية عام 1856 صدر قانون الأراضي لسنة 1858 تحت اسم "المجلة" وصدرت لائحة تعليمات بحق سندات الطابو (التسجيل) عام 1859 ثم إعلان قانون الطابو عام 1861 ونظام تملك الأجانب المترتب عليه عام 1869.

التنظيمات لم تصدر عن تغيير جذري في بنية السلطنة المادية والفكرية، إنما جاءت إرضاءً لدول أوروبا التي ساعدت الدولة العثمانية في حرب القرم ضد روسيا، لذلك لم تٌطبق على الواقع إلا قليلا، وظلت حبرا على ورق.

قانون الأراضي العثمانية المؤقت لسنة 1858 قسّم الأراضي إلى خمسة أنواع: الموات والأميرية والمتروكة والموقوفة والمملوكة، وفقًا لهذا القانون كانت الأنواع الثلاثة الأولى تحت سيطرة الدولة مما سهل للموظفين نقلها إلى حسابهم.

القوانين المتعلقة بملكية الأراضي كانت من القوانين القلائل التي وجدت سبيلها إلى الواقع، لأنها خدمت مصالح النخبة الإدارية والعسكرية والدينية العثمانية وأعوانهم.

تسجيل الأراضي كان فرصة ذهبية لهذه النخب في الإثراء على حساب الفلاحين البسطاء والأميين، فقد كانت دوائر التسجيل تحت إشرافهم، فسجلوا أغلب الأراضي لحسابهم، بل وسجلوا قرى كاملة باسم بعضهم، واستعانوا بالجيش العثماني في قمع كل من اعترض أو احتج أو تمسك بأرضه.

أرباب الوجاهة 
النخب السابقة تحولت بفضل التزوير وقمع الفلاحين إلى طبقة إقطاعية وُجدت في بلاد الشام والعراق. وأحدث التملك الجديد للأراضي وما يدره من أرباح وثروة، خللا في التوازنات الاجتماعية والسياسية والأسرية، وساعد في تكوين قوى جديدة صعدت السلم الاجتماعي.

الفئات التي استولت على الأراضي كانت ممن لهم صلة بالعثمانيين من متولين الأوقاف والعاملين في المؤسسة الدينية الرسمية والأسر ذات الجذور الإنكشارية المحلية الممتهنة الأعمال شبه العسكرية (الأغوات) وممن ارتبطت مصالحهم بإسطنبول.

الطبقة التي تكونت جراء هذا الظلم والنهب، أطلق عليها المؤرخون مسمى "أرباب الوجاهة" وقد اعتمدت في صعودها الاجتماعي والمادي على دعم السلطة العثمانية، لذلك اتسمت بالرجعية ومعاداة الحراك الوطني العربي المناوئ للعثمانيين.

مآسي الفلاح
الفلاح تحول بعد الطابو من مالك حر إلى فلاح محاصص (مرابع) لدى جابي الضرائب، ومن تجرأ على الاحتجاج أو الدفاع عن أرضه كانت تهم التكفير جاهزة من زبانية السلطان، الذين اتهموا الفلاحين المعدمين بمخالفة إرادة السلطان. وعلى أي حال كانت أبواب السجون مشرعة لاستقبال المشككين والمتمردين وعساكر الدولة العلية طوع بنان الإقطاعي. 

النخبة الإقطاعية كان بيدها شؤون التجنيد الإجباري، فقامت باستغلاله في إفراغ القرى من الشباب، والاستيلاء عليها بحجة انعدام من يزرع الأرض، وكان القائمون على قرعة التجنيد يقايضون الشباب بالتخلي عن أرضهم مقابل إعفائهم من التجنيد، لكنهم كانوا يخدعونهم ليستولوا على الأرض دون إنقاذهم من التجنيد.

أراضي قرية بوران التابعة لقضاء البقاع والبالغ مساحتها 8815 دونما، تم تسجيلها باسم خمسة أشخاص وتم حرمان سكانها من أملاكهم. كما سجل قسم كبير من أراضي قرى سوريا باسم عدد من الضباط وكبار الموظفين.

الفلاحون الضعفاء لم يجدوا من يحميهم من بطش أعوان العثمانلي، فقد كان القضاء والجيش تحت سيطرتهم، فلجأوا إلى نظام الإلجاء، وهو تسجيل أراضيهم باسم أحد الشخصيات القوية على أن تظل بأيديهم مقابل دفع نسبة من المحاصيل لكن بعد سنوات قام هؤلاء الأشخاص بطرد الفلاحين فضاعت أملاكهم.

عندما وصل السلطان عبد الحميد إلى العرش عام 1876، انضم إلى زمرة الإقطاعيين وأنشأ دائرة "الأملاك الهمايونية"، التي تولت شراء الأراضي بثمن بخس من الفلاحين، مهددين من يرفض البيع بقطع المياه أو تجنيده في الجيش، فاضطروا إلى التنازل عن أملاكهم طمعا في التخلص من الضرائب، ونيل رضى رجال السلطان.

خلال عدة سنوات، أصبح عبد الحميد الثاني أكبر إقطاعيٍّ في البلاد، وبدلا من تسجيل الأرض باسم الفلاحين الذين يزرعونها منذ قرون قام بتسجيلها باسمه.

الفساد والظلم أدى إلى تسجيل أغلب أراضي سوريا باسم السلطان عبد الحميد وعدد من الإقطاعيين، ولم يسجل منها باسم المالكين الحقيقين من الفلاحين سوى قسم ضئيل.

مقاومة وصمود
الفلاحون لم يستسلموا للظلم العثماني، وتصدوا لمحاولات نزع الأرض منهم، على الرغم من بطش السلطة. في قضاء تل كلخ في سوريا قام أغوات الدنادشة المدعومين من السلطة بتسجيل عدة قرى بأسمائهم. وفي قرية جبلايا استولى الأغوات على نصف الأراضي، وعندما سعوا للاستيلاء على باقيها، تصدى لهم أهلها وجرت معارك عدة كان أشرسها عام 1910 وأرسلت السلطة العثمانية حامية عسكرية خربت القرية وطردت السكان.

فلاحو قرية شين في جبل الحلو واجهوا بطش الأغوات والعثمانيين وقاتلوهم عام 1912، دفاعا عن أرضهم، إلا أن العثمانلي طرد السكان الضعفاء وسجن الكثير منهم في سجون غير آدمية.

ضياع فلسطين
قانون الطابو وما سبقه من تشريعات عثمانية تتعلق بالأرض الزراعية، كانت السبب في تسريب أراضي فلسطين إلى الأجانب، وتغلغل النفوذ الأوروبي في السلطنة، بما في ذلك فلسطين.

السماح للأجانب بشراء الأراضي دون رقيب، مكن المستعمرين الألمان وبعدهم اليهود من بناء مستوطنات في مختلف أرجاء فلسطين، خاصة بعد إلغاء نظام إدارة الأراضي وفق الشريعة الإسلامية الذي حتى عام 1858، ومنذ ذلك الوقت بدأت الأراضي تتسرب من يد العرب إلى يد اليهود، بسبب العجز عن دفع الضرائب أو الإنفاق على الزراعة، ولم تقدم السلطنة اي عون للعرب للحفاظ على أرضهم.
 
قبل التشريعات الزراعية، كانت أغلب أراضي فلسطين مساحات مشاعة الملكية لأهلها العرب، وقد شكل هذا النظام عائقا أمام بيع الأراضي لليهود، وقد استخدم الكيان الصهيوني القوانين العثمانية في تحويل الأراضي المشاعة إلى أراضي ملكية خاصة، وقام بتسجيلها باسم اليهود.



أخبار متعلقة

الملفات