من "خدمة الغز" إلى "رجال الخيبة".. المصريون يفضحون العثمانيين بالأمثال الشعبية

24/06/2019
خدمة الغز" "رجال الخيبة" المصريون يفضحون العثمانيين لأمثال الشعبية
من "خدمة الغز" إلى "رجال الخيبة".. المصريون يفضحون العثمانيين بالأمثال الشعبية

مانشيت الأخبارى

الأمثال الشعبية هي أكثر من مواقف وطرائف تلخص مواقف الحياة الساذجة أو تحفظ حكمة الأجداد من الانقراض، فقد تستخدم كأسلحة فتاكة توجه إلى صدور أعداء الوطن أحيانا، وهكذا أشهرها المصريون في وجوه المحتل العثماني، حتى حولوا سيرتهم المشينة إلى ما يشبه جثة عفنة جرى تكفينها في كلمات حادة لاذعة شجاعة قبل دفنها للأبد.
ارتبط الحكم العثماني في الذاكرة العربية بالفساد والظلم ومشاهد الدم ودخان البارود، وإزاء حالة اليأس التي عاشها المصريون استخدموا السخرية والتهكم من الحاكم وحاشيته كنوع من الانتقام، وانتشر عدد ضخم من الأمثال الساخرة، كان لكل منها قصة شيقة.

"يا رب يا متجلي اهزم العثمانلي"
وقع الغزو العثماني لمصر مثل مصيبة كبرى للبلد الآمن، مع نشوب الحرب بين المماليك والجيوش التركية في الشام ساد شعور الكره والبغض للعثمانيين في المجتمع المصري، ويقدم المؤرخ ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" صورة حية عن اقتحام السلطان سليم الأول إلى القاهرة والفظائع التي ارتكبها جنده، ومنذ عام 1516 انطلقت صيحات المصريين بالدعاء للجيش المملوكي والدعاء على جيوش المحتل "يا رب يا متجلي اهزم العثمانلي".
مثلت هزيمة المماليك في معركة مرج دابق بالشام دافعا كبيرا لتتحول مقولة "يا رب يا متجلي اهزم العثمانلي" إلى رمز للصمود، فأصبح جزء من دعاء خطبة الجمعة ودعوات المصلين بالمساجد، وتجمعات وحوارات الناس، وجابت القاهرة مسيرات لتحفيز القوات المملوكية لمواصلة الدفاع عن دولتهم.
تجمع المصريون تحت قيادة السلطان "طومان باي"، وفي الريدانية انهزم الجيش المملوكي بفعل الخيانة، وأصاب الانكسار الجديد أنفس المصريين بالحزن، لكنهم صبوا غضبهم على العثمانيين في صورة أمثال شعبية ومأثورات لازمت الوجدان المصري طوال الاحتلال وتركت بصماتها في الوعي المعاصر حتى الآن.

"بقيت رجال الخيبة"
أطلق المصريون المسميات الساخرة والمزرية على السلاطين والولاة الأتراك، وانتشرت أساليب التهكم على ممثلي السلطة، من ذلك إطلاقهم على خاير بك (أول والي عثماني لمصر) لقب خاين بك، لما قام به من دور خبيث في هزيمة جيوش السلطان المملوكي قانصوه الغوري في الشام، ثم تسهيل الاستيلاء على مصر مقابل تولي حكمها، وجرى شنق السلطان طومان باي وتعليقه على باب زويلة، ولأنه أصبح رمزا للصمود والدفاع عن مصر، فقد ترحم المصريون على أيام المماليك بعدما ذاقوا مرارة الاستبداد التركي، ورددت الألسنة "راحت رجال الهيبة وبقيت رجال الخيبة".

"اسجد لقرد السوء في زمانه"
كانت مصر بوصفها الولاية الأغنى في الإمبراطورية العثمانية هدفا ومطمعا لكبار القادة في بلاط إسطنبول، والذين قدموا الرشاوى لحصد المنصب، ولما كان السلطان مدركا أن ولاية مصر ليست سوى وسيلة لتضخيم الوالي ثرواته الشخصية، عمد إلى تغيير شخص الوالي بشكل مستمر حتى لا تذهب ثروته أبعد مما ينبغي، ولم يكن سوى المصريين وحدهم الذين تضرروا من ذلك النهب المتواصل وسخروا منه على الدوام خاصة حين كان يعزل والٍ ويولى آخر، وهي الحادثة التي كانوا يتفوهون خلالها بالمثل القائل "ما تفرحوش في اللي انعزل إلا أما تشوفوا اللي نزل".
بعيدا عن مسألة العزل والتولية فإن بطش الولاة العثمانلية وسياساتهم الجائرة كان من شأنها أن دفعت أهل مصر إلى اتباع المداراة تجاه الولاة، والتي عبروا عنها بمثل قولهم "اسجد لقرد السوء في زمانه وداريه ما دمت في سلطانه" و"إن كنت في بلد بيعبدوا الجحش حش وإدي له" و"ارقص للقرد في دولته".

"آخر خدمة الغز علقة"
أطلق المصريون على العسكر التركي كلمة "غُز"، المشتقة من "الغزاة"، وكان الأتراك يعيثون فسادا في البلاد، وإذا دخلوا قرية أفسدوها ونهبوها وأخرجوا أهلها للعمل لديهم وخدمتهم بالسخرة دون مقابل، وبجانب كل الأفعال المشينة يسرقون وينهبون خيرات الفلاحين، ويأخذون الغلال عنوة من أصحابها، ويجبرون بقية أهل البلد على العمل لديهم بالقهر ودون أجر ويعاملونهم بشكل سييء للغاية، وعند خروجهم من القرية يختتمون أفعالهم المشينة، ويضربون الرجال العاملين معهم كنوع من التجبر وفرض السطوة، فصاروا يرددون حتى يومنا هذا "آخرة خدمة الغُز علقة"، معبرين عن غدر وخيانة المحتل، الذي لم يكتف بتحصيل الضرائب الباهظة وفرض السخرة، بل تمادى في غيه وجبروته وترك المصريين فريسة لجنوده يعذبونهم بعد الانتهاء من جمع الضرائب.
مثل آخر هو "آخر المعروف الضرب بالكفوف" صار تعبيرا تحذيريا من التعرض للخيانة على يد المحتل، وللدلالة على قبح المكافأة رغم حسن العمل، وتوارث المصريون تلك الأمثال طوال فترة الاحتلال التركي لتكون رمزا للخيانة والعجرفة العثمانية، بينما بقيت من بعد ذلك تعبيرا يضرب للشخص الذي يُنكر الجميل، ولا يمنعه الإحسان والتعامل الطيب من التجبر.

"خيوب باشا والكرش الواسع"
كانت الرشوة في العهد العثماني والمعروفة باسم "البقشيش" عادة واسعة الانتشار بل أصبحت أمرا مسلما به إلى حد أبقت الإدارة المركزية في إسطنبول رواتب ولاتها في الأقاليم المختلفة منخفضة لأنها أخذت في الحسبان الرشاوى التي يتقاضونها بانتظام. كان من أثر ذلك أن شهدت مصر وعلى مدار أربعمائة عام كاملة تدهورا شديدا في الأوضاع الاقتصادية والمجتمعية بعد أن تعطلت مصالح الناس خاصة الفقراء غير القادرين على تقديم الرشوة المالية أو العينية، فأطلق المصريون العنان لألسنتهم ضد الولاة المرتشين، وراحوا ينسجون عدة أمثال شعبية تعبر عن طبيعة السياسات العثمانية، وتركت لأبنائهم وأحفادهم سجلا من المأثورات تُعينهم عند التعامل مع الإدارة التي رفعت شعار "شيلني وأشيلك" وهو الشعار الذي ارتبط بالوالي "أيوب باشا" والي مصر من قبل إسطنبول في القرن السابع عشر.
اشتهر أيوب باشا - تولى منصبه في القاهرة عام 1645- بين عموم المصريين بلقب "خيوب باشا" وهو تحريف مستمد من كلمة "خيبة" تعبيرا عن فشله في إدارة مصر وانتشار الفوضى وجرائم القتل والسرقة فيها، وقد اشتهر أيوب بمقولة "شيلني وأشيلك" حينما عرض جميع الوظائف الحكومية للبيع لتعويض الرشوة الكبيرة التي دفعها في إسطنبول لصالح السلطان العثماني إبراهيم المجنون حتى يتولى حكم مصر.

"أطعم الفم تستحي العين"
ولما كان المصريون على علم بالسبل الملتوية التي أوصلته إلى كرسي الولاية في قلعة الجبل تعمدوا سبه وتذكيره بأصله الوضيع، قائلين :"لعنك الله ولعن الياسرجي (تاجر العبيد) الذي جاء بك ومن باعك ومن اشتراك ومن جعلك أميرا"، وأصبح معروفا لدى العامة أن الوالي العثماني "كرشه واسع". 
مادام الوالي رأس السلطة في مصر تحت الاحتلال العثماني قبل الرشوة واستحلها لنفسه لم يكن من المتوقع أن لا تقلده بقية موظفي الدواوين الحكومية في القاهرة وفي الأقاليم المختلفة، حيث اعتبر هؤلاء أن البقشيش حق أصيل لا تسير المعاملات الرسمية على أيديهم دون الحصول عليه، ما دفع المصريين لإطلاق المثل الشعبي "ارشوا تشفوا" وكذلك "أطعم الفم تستحي العين".
وصلت الرشوة في ظل الاحتلال العثماني  إلى سلك القضاء نفسه، والذي تضرر كثيرا بمجرد دخول سليم الأول إلى مصر حين عين قاضيا روميا من إسطنبول كقاضي قضاة القاهرة وكانت معارفه الشرعية الضحلة مثارا للتندر من قبل ابن إياس الذي وصفه بأنه كان "أجهل من حمار".

"يفتي على الإبرة ويبلع المدرة"
فور استقرار الاحتلال العثماني في مصر، أصبحت المحاكم أكبر بؤرة لتجمع الرشاوى بعد تقاعس القضاة عن أداء مهامهم إلا بعد الحصول على رشوة حتى قيل فيهم المثل "ويفتي على الإبرة ويبلع المدرة"، وقد صيغ المثل الشعبي "الحق نطاح" على أساس الخصومة التي رفعت في مجلس أحد القضاة وقدم خلالها أحد الخصوم إوزة كرشوة للقاضي بينما قدم الثاني خروفا فقبل الخروف وحكم لصاحبه قائلا "الحق نطاح". 
التصقت بألسنة القضاة كلمة واحدة "فوت علينا بكره"، تعبيرا عن عدم الاهتمام بالقضية إلا إذا قدم صاحبها الرشوة المعلومة، ومن تلك المحاكم تفشت المقولة إلى جميع المؤسسات الحكومية في المحروسة إلى الحد الذي أصبحت فيه العنوان الرئيس للبيروقراطية الإدارية التي خلقها العثمانيون في البلاد الخاضعة لحكمهم. 
وبالإضافة إلى الأمثال العامية الساخرة من الأتراك، فإن الألسنة تداولت أزجال ابن عروس والتي ذخرت بحكمة المصريين ومواساة صبرهم على بلاء العثمانيين، كما يقول: لابد من يوم معلوم..تترد فيه المظالم/ أبيض على كل مظلوم..أسود على كل ظالم.

 



أخبار متعلقة

الملفات